ناجح حسن - ليس بالغريب أن تقطف المخرجة الاميركية كاترين بيغلو اوسكارات قلعة السينما العالمية الحصينة (هوليوود) في دورتها الأخيرة هذا العام عن أحدث أفلامها (خزانة الألم)، بعد أن تبين لكثير من المتابعين إن ثمة دلائل كثيرة تشير إلى هذا الفوز الثمين، خصوصا بعد نيلها جوائز الجولدن كلوب والأكاديمية البريطانية البافتا والعديد من الجوائز الإضافية في أكثر من مهرجان واحتفالية سينمائية دولية داخل أو خارج أميركا.
الغريب إذن والمفاجيء إن هذا الفوز كسر آخر محرمات هوليوود في تكريس اسم امرأة من بين أفضل مخرجي السينما وصاحبة أفضل فيلم، كل ذلك جاء بشهادات من النقاد والمتابعين لدى تتبعهم رحلة هذه المخرجة طوال العقود الثلاثة الماضية وما حققته من إنجازات سينمائية دأبت خلالها على تقدم أعمال مغايرة عن باقي زميلاتها من المخرجات الاميركيات اللواتي على محدودية عددهن وقعن في اسر النظرة النسوية على نقيض جهود بيغلو التي ثابرت دائما بالانفتاح على موضوعات وتقنيات وأساليب جمالية ودرامية مبتكرة تحيد غالبا عن محاكاة قواعد وأحكام السينما الاميركية الدارجة في السوق العالمية . إن نظرة فاحصة على مجموعة أعمال أفلام بيغلو يتبدى مثل هذا الإصرار العنيد للمخرجة في مواكبة أقرانها من مخرجي الفيلم الاميركي، ليس هذا فحسب وانما تعدتهم ببراعتها وقوة جسها لحاجات المتلقي في تقديم نوعيات فيلمية تتباين عن أفلامهم، لا بل أنها تبدو في أسلوبيتها وكأنها تتخذ مسارا شبيها بأولئك المخرجين الذين عرفوا ضمن تيار السينما الاميركية المستقلة او ما اصطلح على تسميتهم بجيل التلفزيون : جورج روي هيل وسام بيكنباه ووالتر هيل وسيدني لوميت وسواهم وهو ما جعلها تستحوذ على إعجاب النقاد في بواكير أفلامها التي حققتها في عقد الثمانينات من القرن الفائت:(بلا حب) 1981 الذي يناقش حكاية بوليسية مثيرة بأجواء المطاردات بين مجموعة من راكبي الدراجات النارية وسيارات الشرطة، ومن بين الممثلين الذين اختارتهم المخرجة في الدور الرئيسي وكان هناك النجم ويليام دافو الذي شق طريقه عقب ذلك في عوالم ادوار نجوم الصف الأول في السينما الاميركية على نحو متمكن سواء في شخصيات الخير أو الشر . تتالت أفلام المخرجة المولودة العام 1951 والتي تنحدر من عائلة اميركية بسيطة على فترات متباعدة حيث اعتبر كل عمل جديد تقدمه مختلف عن الآخر ومتقدم عليه في تدرج جمالي لافت قوامه ما كانت تحصل عليه من دعم إنتاجي متزايد وثقة من القائمين على صناعة الفيلم الاميركي الأمر الذي ساعدها على تقديم أفلام بديعة التوظيف للغة الدراما في لعبة التشويق الممتعة والفريد بلقياته التسجيلية او الدرامية سواء في اللعب على دفتي الخيال العلمي أو تلك التي تتكيء على معايشة الواقع ما يلفها من احداث عنف وفساد وحروب حيث اشتغالاتها في افلام سابقة على المطاردات العنيفة ومشاهد إطلاق الرصاص الكثيف على نحو يعتقد فيه المتلقي انه أمام فيلم للمخرج برايان دي بالما . من الواضح إن أفلاما مثل : (الأزرق الفولاذي)، (أيام غريبة)، (نقطة انكسار)، (ماء ثقيل) و( كي 19 : الغواصة الروسية) وصولا إلى (خزانة الألم) قدمت فيها بيغلو العديد من الرؤى العميقة المضامين عن سائر زميلاتها المخرجات في السينما الاميركية اللواتي ذهبن في أعمالهن إلى الالتحام بقضايا تعبر عن آمال وآلام بنات جنسهن دون السعي إلى تعميق رؤيتهن للجانب الحداثي في الفن السابع. بفوز فيلمها (خزانة الألم) تكون بيغلو قد شقت أبوابا موصدة أمام زميلاتها اللاتي سيأخذن بحيثيات العمل السينمائي ومفرداته في القبض على أدوات اللغة الجمالية والدرامية في أكثر من ناحية من حيث التوجه إلى تقديم نماذج فيلمية مختلفة عن السائد سواء في امتلاك أساليب صناعة الأفلام بالكاميرا الخفيفة المحمولة التي تنفذ إلى بؤر التوتر والأوضاع الصعبة التي يعايشها أفراد في لحظات من الخوف والترقب والانتظار دون الانغماس في إبهار شكلي مصطنع. ولئن كانت جرأة وطموح بيغلو تعدت النبش بأوضاع عالمية ساخنة (كي 19) مثلا الذي تناولت فيه تهديد نووي روسي إلى القدرة على خوض غمار حرب العراق بأسلوبية غير مألوفة فيها من الأسئلة أكثر من الأجوبة وهي توزعها بين ثنايا المشاهد التي تبرز اجزاء من صور معاناة فصيلة من الجنود خلال عملهم في نزع الألغام من الأمكنة في العراق بعد وقوعه تحت الاحتلال. يقف (خزانة الألم) المليء بلحظات التوتر والتشويق إلى جوار قائمة لا باس بها من أسماء الأفلام الاميركية التي نجحت في جذب اهتمام العالم إلى مأزق الحرب على العراق وانعكاسات ذلك على الإنسان العادي دون أي حسابات سياسية آنية، على نحو يقترب مما جرى تقديمه في أفلام: (معركة حديثة) و(رداكتيد) لبرايان دي بالما صورت جميعها في الأردن وهي بالتالي تنضم إلى أفلام (اسود وحملان) و (المملكة) و(جسد من الأكاذيب) للمخرج رايدلي سكوت وسواها كثير.. في القدرة على إثارة الإعجاب والجدل بين النقاد.







